فخر الدين الرازي

39

شرح عيون الحكمة

والثاني : انه لا يمكنكم بيان كون الحركة كمالا أولا ، إلا إذا بينتم ، أن هذا الحدوث لا يكون دفعة بل يكون يسيرا يسيرا . فصار هذا التعريف محتاجا إلى تقدم العلم بأن الشئ قد يحدث يسيرا يسيرا ، فإن كان تصور الحدوث على سبيل التدريج متوقفا على تصور أصل الحركة على ما يقوله أصحاب هذا « الحكيم » فقد فسد هذا التعريف . وان لم يتوقف عليه ، فحينئذ يكون تعريف الحركة خروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا ، أولى . الثالث : ان الجسم حال كونه متحركا هل هو في المكان أم لا ؟ فإن لم يكن في المكان ، مع أنه جسم متحيز فذلك محال ، وان كان في المكان فهل هو في المكان الذي انتقل عنه أو في مكان آخر ؟ فإن كان الأول فهو بعد لم يتحرك ، وان كان الثاني فحينئذ لا معنى لكونه متحركا ، ألا أنه حصل في مكان بعد أن كان حاصلا في مكان آخر ، فيرجع حاصل القول إلى أنه عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متلاحقة ، وحينئذ لا تكون الحركة كمالا أولا ، يتبعه كمال ثاني . بل هو عين ذلك الذي سميتموه بالكمال الثاني ، ولا يبقى لهذا الذي سميتموه بالكمال الأول معقول ومحصول البتة . والتعريف الثالث للحركة : ما ذكره الامام « أفلاطون » الإلهي . وهو أن الحركة عبارة عن الخروج عن المساواة . ومعناه : كون الجسم بحيث لا يفرض له آن من الآنات ، الا وحاله في ذلك الآن خلاف حاله قبل ذلك وبعده . والتعريف الرابع للحركة : ما ذكره « فيثاغورس » وهو أن الحركة عبارة عن الغيرية . وهذا قريب مما ذكره « أفلاطون » لأنه إذا كان حاله في كل آن يفرض مخالفا لحاله قبل ذلك الآن ، كانت هذه الأحوال المتعاقبة المتتالية أمورا متغايرة . فأفلاطون عبر عن هذا المعنى بالخروج عن المساواة ، وفيثاغورس عبر عنه بالغيرية . والمقصود من الكل : واحد . والتعريف الخامس للحركة : ما ذكره المتأخرون وهو أنها عبارة عن الحصول الأول في الحيز الثاني . وتقرير هذا الكلام سيأتي عن قريب على سبيل الاستقصاء .